سيد محمد طنطاوي
337
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد سمى اللَّه - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين ، لأنهم أخلصوا للَّه نياتهم ، وطهروا نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا في نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض . قال الراغب : والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض العلماء إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم « 1 » . والمعنى : اذكر نعمتي عليك - يا عيسى - حين * ( أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) * بطريق الإلهام أو بطريق الأمر على لسانك ، وقلت لهم : * ( أَنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي ) * أي : آمنوا وصدقوا بأنى أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولي عيسى بأنه مرسل من جهتي لهدايتكم وسعادتكم . وفي ذكر كلمة * ( بِرَسُولِي ) * إشارة إلى مقامه من اللَّه - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات اللَّه - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك جاهلون وضالون . وقوله : * ( قالُوا آمَنَّا واشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ) * حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة . أي : أن الحواريين عندما دعوا إلى الدين الحق * ( قالُوا آمَنَّا ) * بأن اللَّه هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد . ثم أكدوا إيمانهم هذا ، بأن قالوا * ( واشْهَدْ ) * علينا يا إلهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة * ( بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ) * أي : منقادون لكل ما جئتنا به وما تدعونا إليه . وقدموا ذكر الإيمان لأنه صفة القلب ، وأخروا ذكر الإسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر فكأنهم قالوا : لقد استقر الإيمان في قلوبنا استقرارا مكينا ، كان من ثماره أن انقادت ظواهرنا لكل ما يأمرنا اللَّه به على لسانك يا عيسى . قال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن قيل : إنه - تعالى - قال في أول الآية * ( اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ ) * ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى ، وليس لأمه تعلق بشيء منها . قلنا : كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - وجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّه آيَةً فجعلهما معا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر . وإنما ذكر - سبحانه قوله * ( وإِذْ أَوْحَيْتُ ) * في معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوبا في قلوبهم ، من أعظم نعم اللَّه على الإنسان .
--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 135